ولادة عند 1538 بقلم رافع الفرطوسي

 ولادة عند 1538


بقلم رافع الفرطوسي





 

كالغالبية من أبناء فصيلتي , سأكون قادرا على العمل بعد ولادتي بلحظات , ربما يتم تجريبي للتأكد من صلاحيتي للعمل وبالطبع سأودع في صندوق ورقي أنيق ويتم ارسالي من مكان الى آخر حتى استقر في يدٍ تحتاجني.

هذا ما حدث لي فعلاً , بين ولادتي و اليد التي امتدت لي لأنها تحتاجني – كانت رحلة من بضعةِ ايام . وفي النهاية كنتُ بيد ذلك البائسِ المرتاب يُعصر رأسي بين ابهامه وسبابته عدة مرات في اليوم حتى أوشكتُ على فقدانِ بريقي , ثم ينقسم باقي اليوم الى ساعات في بؤرة العفن التي يسميها جيباً , جدران من القماش الهزيل ترتسم عليها خرائط بقايا العرق الجاف وفي قعرها ذرات تساقطت من فتات التبغ وشيء من الحتات التي المصاحب لحب زهرة الشمس الذي كان يعكف على تناوله يوميا .

ساعات اخرى من اليوم اقضيها على سطح طاولةٍ كئيبةٍ ليست انظف من مستودع سَقَط التبغ و حب زهرة الشمس , بعد أن يتم القائي بقسوةٍ لأرتطم بأرضيةِ تلك الطاولة المتشققة , أما اللحظات المريحة فقد كانت تلك التي يتسلل فيها معظم جسدي الى حيث يجب ان اكون , فبرغم الصداع الذي يسببه ضغط الاصبعان على رأسي ورغم الدوران المفاجئ لدروتين  في جوف نصفي الآخر مع ضغطة أخيرة – فأنا اشعر بالسعادة وقتها اذ تلامس اجزائي جوف من جئت معه بصندوق ورقي .

نعم, لقد ولدنا سوية وتشاركنا الرحلة حتى وصلنا الى هنا , كنا نعتقد بأننا سنبقى متلاصقين الى النهاية ولكن سرعان ما وضع هو على رتاج باب و بتُ انا رحالة بين جيب عفن وطاولة متهرئة!

كم كنت لماعا وجميلا ساعة ولادتي , رشيقا ومستقيماً مع كل الانحناءات التي بُني عليها جسدي  وكم كنت أنيقا في رحلتي حتى وصلت لمصير لم اكن اتوقعه ولن ارضى بان تكون حياتي أسيرة لأنامل هذا المرتاب المنعزل وجيبه وطاولته.

في آخر اقحام لجسدي في جوف رفيقي , قررت أن اضع حدا للمهزلة , فأما العودة الى بيئتي الحقيقية أو الابتعاد عن كل شئ ومن ثم الهلاك في المحاولة الذي ’ ذلك الذي اراه اهون من هوان البقاء.

كان على عجلٍ من أمره حينذاك , إذ كان يهم بالدخول الى المنزل بسرعة كبيرة , كهارب من شيء ما , وليس غريباً فهو خائفُ في معظم اوقاته , جبان, متردد , ضعيف لا يقوى الا على عصر رأسي بأصبعيه وتدويري , وبعُصابيته المعهودة ادخلني بقوة وأدارني مرتين فتماسكت لأقاوم ضغطته الاخيرة مستغلا ولوج احدى تموجاتي في شقٍ ساعدني كثيرا على الصمود حتى التويت تماما وعلقت في مكاني.

حاول بكل ما لديه من ضعف وتوتر وانفعال حتى اخرجني وقد تركت جزءا صغيرا مني هناك , لم يكن بإمكانه اقحامي ثانية ولم تعد هناك جدوى من اعادتي الى الجيب العفن , غير ان رفيقي ما زال معلقا على الباب, جاء اليوم الذي لا يرميني فيه بقوة على طاولة الشقوق والحفر , و بعد سيل من كلمات اللعن والسب القاني بقوة الى الشارع .

كان السقوط رهيباً ومؤلماً, إلا ان نشوة الخلاص أنستني هولَ ما عانيت اثناء طيراني عبر سياج المنزل وارتطامي بالإسفلت ومن ثم اندفاعي زاحفاً عليه , نتج عنه بريقٌ لشرارةٍ إثر احتكاكي  بحصاة ناتئة من الشارع.

لحظات وسَمعتُ بعدها صوتَ المطرقة وهو يهوي بضرباتهِ على رأسِ رفيقي دونَ أن يتأوه او يتوسل لإيقاف الضرب , ثم كان مصيره مشابها لمصيري تقريبا , حيث أُلقي عبر سياج المنزل لكنه لم يتدحرج على الاسفلت لثقله , لفقد اكتفى البائس ان يخرجه من المنزل فقط.

راقبته وهو ممدد مكسور على الارض  وشعرت بأنه يضع اللوم علي بكل ما حصل معه, كأنه يوبخني ويحملني وزر الضربات التي تلقاها وتشريده في الشارع .. رحتُ اناديه : لا بأس يا رفيقي فلا حصاد دون زرع  ولا إنجاز دون معاناة ولعل ما نُقاسيه الان خيراً لنا مما كنا فيه, ومن يدري عسى أن نجتمع قريبا لنكون في مكان افضل؟

لا بأس يا رفيقي .. لم يرد بكلمة قط .

أيامُ مرت وأنا ممدد في مكاني تدوسني عجلة سيارة  تارة و تارة اخرى يعثر علي أحد الفضوليين فيتأمل اعوجاجي ثم يلقيني الى الارض, اما رفيقي فلقد تلاففته ايدي الصغار بعد خروجنا من المنزل بساعات وصار يُرمى هنا وهناك ثم انقطعت أخباره عني !

أنا متعب يا رفيقي , صدئ  , مُعوَجٌ وعاجزُ تماماً , لستُ املك سوى ذكريات تمر بين المولد والمصير , ولكن رحلتي الطويلة القصيرة لم تنته بعد , لدي أمل وحيد بأن تنتشلني يدٌ تحتاجني وانا على هذا الحال! حتماً هناك من يحتاجني .. ذهبَ بريقي واعوجَ قوامي وفقدتُ جزءاً من جسدي علاوة على ان رفيقي الذي لا فائدة ترجى من أحدنا دون الآخر ليس معي . فمن سيحتاجني بكل هذا القبح والعوز والنقص الذي انا عليه؟ هناك من يحتاج معدني , هذا املي الوحيد.

في لحظةِ اعجازية أراني الان بين قطع من الخردة , على ظهر عربة,  نتقافز و نتصادم مع بعض ونسقط من جديد كمجموعة أطفال يلعبون تحت المطر .

 انا اعي كل ما يجري واسمع حديث صاحب العربة وهو يساوم صاحب المصنع لحثه على دفع مبلغ اكبر .. اتفق الاثنان وأنزلنا العامل من العربة الى مخزن  قريب من فرن الصهر فبدا الارتياح عليَ وعلى أقراني و بت اشعر بالدفْ  , واحن الى النار التي بفعلها تكونت ومنها تقولبت الى كيان متكامل ومفيد, هنا الكثير من الأشياء التي تنتمي لمعدني بأشكال واحجام مختلفة وفي النهاية سيتم صهرنا ومزجنا سوية لنكون سائلاً  جهنميا في رحم الفرن تمهيدا لولادة جديدة .

في الفرن لمحت جزءا من رفيقي مازال طافيا فوق سطح المصهورات , وقد ميزته من بين كل الاحجار الجيرية والخبث, كما أنني لم يبق مني غير رأسي وبدأنا ننزل شيئا فشيئا وكل لحظة تمر تعلن فقدان المزيد و كان علي ان اوجه رسالتي لبقايا رفيقي : ألم أقل لك يا رفيق لا بأس؟ 

ها قد عدنا الى حيث ننتمي و سنمتزج مرة اخرى و نتشكل  كياناً آخر, لا تأسف لضربات المطارق فلعلك تكون غدا مطرقةً أو فأسا , لقد علمتني التجربة ان لا أخضع لأي أحد أو اي ظرف بحجة الرضا بالنصيب ، آثرتُ أن اكسر نفسي وافقد جزءا مني على أن اظل في بؤرة عفنة ويتحكم بي عصابي متردد .

أعدك يا رفيقي انني سأفعلها مجددا واعلم انك ستفعل ايضا شئت ام أبيت , ستمتد الينا الكثير من الايدي لا لتساعدنا بل لأنها تحتاج الينا , وسنعمل حتى حين بأشكال مختلفة و سنكون وسائلا لغاياتٍ تختلف في كل مرة نعود فيها, لم يرد رفيقي على كلامي هذه المرة ايضا  , غير أنني أحسست بجزئه المنصهر يمتزج معي و أخذنا ننزل أكثر .. وأكثر حتى أنه لم يبقَ منا شيء على السطح ..نغوص ممتزجان وننتهي الى حيث بداية جديدة مصدرها الانتماء .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمل بقلم زينب عبد الكريم التميمي

قصة قصيرة بساط الريح..بقلم موسى غافل

وعد بلا ظل بقلم أحمد العاشور