قصة قصيرة بساط الريح..بقلم موسى غافل

 قصة قصيرة
بساط الريح..بقلم موسى غافل



في صباح ربيعي بهيج، انبعثت في نفس الجد  رغبة : أن يتمتع برفقة حفيده. و يتجوّل بين زائري مرقد الصحابي. آملا أن يلتقي بمن يؤنسه، و يعوّضه عن  شوق مُتأجج لأهله ومدينته.بعد غربة أعوام ثقلت عليه. 

لم يلق بالاً لثرثرة حفيده، الذي تألّق في جولته و استضاء بفرح غامر.

 استوقفته كاعب، مزهوّة بنضارة نضحتها ابتسامتها . فشغلت الحفيد، و سلبت الجد لا أُباليّته.وسألته بعد تحية : 

 ــ ما اسمك أيها الجد؟

قال و كأنه آنس ما فوجئ به :

 ــ لماذا يا بنيّتي؟!

قالت : 

  ــ جدتي .. ربما تعرفك؟

  ــ كاظم..

قالها الحفيد مجازفا. كأن الأمر.. منّاه برفقة مؤنسة .

بدت الجدة مشرئبّة بعنقها. كأن حدسها أصاب. لم تتروّ  فتقدّمت، و الحفيدان يحدسان بعيون باسمة. 

كم كان لقاؤهما ملهوفا؟ قادته إلى مجلسها ، و عيناها يجودان بدمع، فتهادى صوتها عبر كلمات متعثّرة متسائلة : 

 ــ أتعرفني؟

قال :

 ــ هيلة ؟؟

 لم  يسعفهما  لقاؤهما  سوى  كلمات  جادا  فيها :  و هو مطرق ، و قلبه  يفيض وجدا ، وهي تهمي كلماتها، مثل نمنمات لؤلؤية، شدّتها بقوّة لأيام صباها .                                                                

  فتجلّت : ذكريات موغلة في القدم . وتألّقت بذاكرته فتنتها. وتطلّعت ممعنة بوجهه المتعب. إذ .. لم يبق لديه : سوى ملامح كابية، أحزن فؤاده  بكاؤها، و حسسه بما افتقد من نضارة. فابتسم متكلّفا.. لكي يهوّن على قلبه و قلبها. كأن الماضي تنقشع غمته : حيث الأحلام التي تألّقت ليلاً.. مجزلة عليه بالوجد. فلا يرويه من ظمأ سوى الليل و أحلامه . أمّا النهار : فليس سوى رؤيا خاطفة، خائبة وهو يمر مجتازاً في طريقه عتبة الباب. و يمضي متعثّرا. فلا تمنحه سوى فرجة ضيّقة من ظلفة الباب ، ليطل طيف خدّها، وبريق عينيها، و ألق ابتسامتها. فتنزاح العتمة، و تتلاحق نبضات قلبه بإسراف. و يبتعد مجهداً، كأنّه قد نزف دماءه كلّها.

 وتتكرر.. اللقاءات التي ما أعانته جرأته..  أن يرسم على ثغرها سوى ابتسامة، نضحت عطراً.. كزهرة مضوّعة. انتزعت قلبه و هيّمته ، فلا يجني  سوى أن تشدّه لأناملها.. في لمسات رقيقة ، عبر لحظات ضائعة ملوّعه . 

  

   تداعت ذكريات تلك اللحظات أيّام وقوفه في محل أبيه لبيع الأقمشة ، حيث تفاجئه مسفرة عن وجهها الملائكي، على قدر ما تسمح له لكي يشاهد محياها دون سواه.

  فيتمعّن في الوجه القمري، لكي يثمل قلبه برقّة ابتسامتها. يُقرّب لها قطعة القماش.تتشابك الأصابع بإلفة غامرة . يهيمن الارتباك و الوجد ، ويتخاطب القلبان، فيسكرهما اللقاء، و تتلاشى الحاجة للكلمات . ما هي إلاّ لحظات معدودة، متكررة ، متلكّئة، كابية. لا تزيد عن معرفة سعر القماش، بصوت مقرور، ونظرات خالطهما سكر. تنتظر بوجد شدّها إليه شدّا: أن يقول .. ولو كلمة . مستسلمة بالكامل لأنامله. متسقطة من جرأته الخابية ولو كلمة تطرب فؤادها: فما أسعفها بشيء. و لكي تسمع ولو عبارة تهدئ مشاعرها المتلهفة, فقالت لتستفز جرأته :

- أأذهب  

 فما جاد.. عدا تلك الكلمة التي مزقت قلبها و أوجعتها يأساً:  

  ــ اذهبي....

أوشكت أن تذرف دمعها  فانتزعت أصابعها و أدبرت.

  

  كم من السنين اندثرت و لم تهمد نار أساه بعدها؟.. حتى حلّت هذه اللحظة.. التي لم يسعفها قلبه: إلاّ بفرح جفاه سحره ؟

  مكثا يتطلعان إلى بعضهما لا يجرؤان على نَقلةٍ موفقة .

  

 أمامهما تشابك حوار الحفيدين ، في سدى عالمهما . و طغى على حديثهما لذّة اللقاء فانغمرا بإلفة محببة، كأنهما متعارفان من قبل. وأوشكا أن يستزيدا من الجدّين عن سرّهما.

فما سمعا: إلاّ التساؤل عن الأحوال و الأبناء. ومن مات، ومن بقي. جلسا الجدّان القرفصاء.. كأن الأعوام قد أثقلت كاهليهما. و أمسك كاظم بملامح تنجلي ببطء و تَنْشدُّ إلى ذاكرته.

 فالتقط من وجه هيلة شذرات لم يخبُ تألّقها .أيقظتهما ضحكة الحفيدين، و أحسّا : إن شيئا يأخذ بقلبيهما .. إلى طريق شعشعت جوانبه، بألقٍ.. كان قد رسم على محيّاها طيف ابتسامة وَشّحَتْ كل شيء، عبر طول هيام.

  انتزعت الحفيدة .. البساط المركون لتفترشه هي و الحفيد، في الجهة المقابلة . و الجدّان يتطلّعان باهتمام. و الحفيدان .. دائبان بانتظار.. أن يشاركهما الجدّان بساطهما.

موسى غافل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمل بقلم زينب عبد الكريم التميمي

وعد بلا ظل بقلم أحمد العاشور